عبد الملك الجويني
149
الشامل في أصول الدين
فقد ثبت من مأخذ اللغات ما قلناه لغة ، وثبت الوفاق في المعنى ، وسقط وجوه الخلاف . وإن زعم الخصم : أن السواد يسد مسد البياض ، فقد أنكر ضرورة العقل . وإن زعم أنه لا يقال فيهما أن أحدهما يسد مسد الآخر أو لا يسد مسده ، كان ذلك مراغمة للبديهة أيضا ؛ إذ كل شيئين لا يخلوان من أن يسد أحدهما مسد الثاني أو لا يسد مسده ، وليس بين النفي والإثبات رتبة . وكل قسمة استندت إلى إثبات صفة أو نفيها ، فمنكر القسمين جاحد للضرورة . فهذا أقوى ما نتمسك به . واعتصم بعض أئمتنا بنكتة أخرى فقال : إذا زعم الخصم أن البياضين في أنهما لا يتماثلان ولا يختلفان كالسواد مع البياض ، فينبغي أن يثبت من قيام البياضين للجوهرين ما يثبت لهما من قيام البياض والسواد . وهذا ما لا مخلص للخصم منه إلا أن يقول : البياض مع السواد اختلفا ، فأوجبا اختلاف محليهما ، وليس كذلك البياض مع البياض . ومهما قال الخصم ذلك ، فقد صرح بإثبات الاختلاف بين الأعراض . وقد أشار القاضي - رضي اللّه عنه - إلى طرق في الرد على هؤلاء ذكرها في « الهداية » غير معوّل عليها وهي مزيفة عندنا . فمما ذكره : أن الجوهرين لو تماثلا لقيام بياضين بهما ، وجب أن يختلفا لقيام حركة بأحدهما وسكون بالثاني ، ويلزم من ذلك أن يكونا مختلفين من وجه ، متماثلين من وجه ، وذلك محال . وهذا فيه نظر عندي فإن الذين صرفوا التماثل والاختلاف إلى المعاني ، لا يستبعدون إثبات التماثل من وجه ، والاختلاف من وجه ، وهو كما لا يبعد كون الذات عالمة من وجه ، جاهلة من وجه ، لما رجع كونه عالما جاهلا إلى معنيين ، فكذلك هاهنا . وهذا واضح لا خفاء به . ومما ذكره القاضي والأستاذ أبو بكر : أن الجوهر لو ماثل جوهرا لقيام بياضين بهما ، وجب أن يقال : إذا قام بياضان في وقتين بجوهر واحد ، فيماثل الجوهر نفسه ، وهذا مدخول عندي ، إذ التماثل لا يتحقق إلا بين شيئين ، كما أن اسم الجسم لا ينطلق إلا عند انضمام جوهر إلى جوهر ، وإن كان كل واحد من الجوهرين في انضمامه على حكمه في انفراده . ولو لزم مماثلة الجوهر نفسه في صفات المعاني ، لزم مماثلته نفسه في صفات النفس ، فاستبان سقوط هذه الطريقة ، والمعول على ما تقدم . فإذا تمهد هذا الأصل رجعنا إلى غرضنا في امتناع التماثل من وجه والاختلاف من وجه . وقد قدمنا للقاضي - رضي اللّه عنه - طرقا ثلاثة من التماثل : أحدها : على نفي الأحوال . والثانية : على القول بالأحوال ، ونفي تعليل التماثل .